الأديب القدير ‏ابراهيم جاسم الجفال يكتب الأنا.... العراق 🇮🇶

 

‏ الأنا  بين الإتزان ‏والأنانية والغرور 




‏بقلم   إبراهيم جاسم الجفال  العراق 🇮🇶

‏            في مسار تكوين الإنسان، تقف مفاهيم مثل  - الأنا  -  و الغرور  -  على خط رفيع يصعب تمييزه للوهلة الأولى ،  فكلاهما ينبع من نظرة الفرد إلى ذاته ، لكن أحدهما يمنحه توازناً  وثباتاً ، بينما يدفعه الآخر إلى تضخم يختل معه ميزان العلاقات والواقع .

‏(  الأنا )  حين تكون  الأنا متزنة ؛  أي انها  تشكل مركز وعي الإنسان بنفسه وحدوده وقدراته   وتمنحه القدرة على التفاعل بثقة دون أن يفقد مرونته  .

‏     

‏               أما الغرور  : -  فهو  الانحراف الذي يحول تقدير الذات إلى تعالٍ ، ويجعل الإنسان أسير صورة متضخمة عن نفسه وغالباً  ما تكون بعيدة عن الحقيقة .

‏  ومن هنا تنشأ الإشكالية : كيف نميز بين الثقة المشروعة بالنفس وبين الغرور المرفوض؟ وأين ينتهي الحد الطبيعي للأنا ، ويبدأ الانزلاق نحو التعالي؟ هذا المقال يحاول تفكيك هذا الالتباس .

‏من خلال استعراض الفروق الدقيقة بين المفهومين ، وربطها بسلوكيات يومية تكشف كيف يتجلى كل منهما في حياة الإنسان .

‏وقد حذّر النبي  محمد صل الله عليه واله وسلم  من الكِبر تحذيراً شديداً فقال :

‏ ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر ) 

‏رواه مسلم

‏ثم فُسر الكِبر بأنه : بَطَر الحق وغمط الناس

‏        ولفهم هذا الفرق بصورة أدق ، لا بد من التوقف عند طبيعة كل مفهوم ووظيفته في تشكيل السلوك الإنساني . 

‏      فالأنا المتزنة ، في جوهرها  ليست عيباً  ينبغي التخلص منه ، 

‏وفي المقابل  دعا الإسلام إلى التواضع بوصفه معيار القوة الحقيقية  ،  مستنيرا بقوله صل الله عليه واله وسلم :

‏ ( وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ) 

‏رواه مسلم

‏ أي ان الاتزان  هو  العنصر الأساسي في بناء شخصية الفرد ؛ به يدرك الإنسان قيمته  ويحدد أهدافه  ويدافع عن حدوده  .

‏ إنها كالبوصلة الداخلية التي تمنحه الإحساس بالاتزان ، وتساعده على التفاعل مع العالم دون أن يذوب فيه أو ينفصل عنه . 

‏الأنا المتزنة لا تعني الكمال ،  انما  تعني القدرة على رؤية الذات بواقعية   بما لها وما عليها .

‏     في المقابل يظهر الغرور عندما تفقد هذه البوصلة دقتها  ، ويتحول تقدير الذات إلى مبالغة مفرطة ، وتستبدل الواقعية بصورة متضخمة لا تحتمل النقد أو المراجعة .

‏وهذا ما يسمى بالغرور ! 

‏ فالغرور لا يقوم على قوة حقيقية بقدر ما يعتمد على إنكار النقص وإخفاء الضعف  . 

‏ ولهذا غالباً ما يكون هشاً من الداخل مهما بدا صلباً في الظاهر .  

‏وقد حذّر النبي الكريم صل الله عليه وسلم من احتقار الآخرين فقال:

‏ ( بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم  ) 

‏رواه مسلم

‏ومن هنا  فإن الشخص المغرور لا يسعى للتطور بقدر ما يسعى لإثبات تفوقه ، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة أو الآخرين.

‏             وتتجلى هذه الفروق بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية. ففي العمل، يدفعك امتلاك أنا المتزنة إلى التعاون والاعتراف بجهود الفريق   .

‏ بينما يقودك الغرور إلى احتكار النجاح والتقليل من الآخرين  

‏. وفي التعلم ، تفتح الأنا المتوازنة باب التحسن المستمر، في حين يغلقه الغرور بادعاء الاكتفاء .

‏ أما في العلاقات  فالأنا تقبل الاعتذار وتدرك قيمته . 

‏ بينما يرى الغرور في الاعتراف بالخطأ ضعفاً لا يُحتمل .

‏      ولا يعني ذلك أن الحد الفاصل بين الأنا والغرور ثابت وواضح دائماً  ؛ لأنها  مساحة متحركة تتأثر بالظروف والتجارب .

‏قد يبدأ الإنسان بثقة مشروعة  ثم ينزلق تدريجياً  نحو الغرور دون أن ينتبه .

‏ خاصة عندما يغيب التقييم الذاتي أو ينعدم النقد الصادق من المحيطين به . 

‏ولهذا  يصبح الوعي بهذا الفرق ضرورة ، لا تكبراً ولا ترفاً فكرياً .

‏            في النهاية يمكن القول إن الأنا المتزنة  تُبنى على التوازن : تقدير الذات دون تضخيم  والثقة دون إنكار للقصور . وامكانية وجود اختلاف بالاراء وتقبلها . 

‏ أما الغرور ! فهو اختلال هذا التوازن  حين تتضخم الذات إلى درجة تعزل صاحبها عن الواقع والناس  . وبين هذين الحدّين  تتحدد جودة علاقاتنا ..... وقدرتنا على التعلم   ومسار  وعينا  الشخصي .

‏وقد جمع النبي صل الله عليه وسلم ، معيار التفاضل الحقيقي بقوله:

‏ ((  إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )))   رواه مسلم 

‏ولكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الاخر .

‏والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء و المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين .

‏بقلم الأديب الكاتب 

‏ابراهيم جاسم الجفال 

‏سفير المشاعر 

‏🇮🇶








إرسال تعليق

0 تعليقات