سجن بلا قضبان كيف تحررك الفكره أو تقتلك؟
بقلم د محمود جمعه الصاوي
في مساء أحد الأيام، قابلتُ رجلاً أسمر متوسط القامة، تكسو وجهه ملامح الهم والكآبة. أخذ ينظر إليّ ويحدق، ثم اقترب مني وسلم عليّ، وعرّفني بنفسه مستأذناً أن يجلس معي بضع دقائق.
جلسنا ودار بيننا حوارٌ لم يكن سيئاً، وفي نهايته سألته عن سبب الكآبة التي كانت تبدو عليه منذ البداية؛ فكان ملخص حكايته أنه محاطٌ بمجموعة من "الكارهين" له من الأهل والجيران والزملاء في العمل، وأنهم يكيدون له المكائد ويضمرون له الشر.
انتهى اللقاء وتوادعنا، وذهب كلٌ منا إلى حال سبيله، ولكني وجدتُ في حكايته كمّاً من التشوهات المعرفية التي تعرقل وتشوش رؤيته للعالم، وتفسيراته للأحداث التي تذهب به بعيداً دائماً عن المنطق. لقد أدركتُ حينها كيف أن أفكار الإنسان تؤثر على مشاعره وسلوكه؛ فحينما تُثار لدى الفرد مشاعر سلبية بسبب موقف ما، تنشط لديه أفكار تلقائية غالباً ما تكون غير منطقية، تؤثر في سلوكه وتجعله يرى ما حوله أكثر قتامة وسلبية.
فالأفكار بالنسبة للإنسان كعدستي نظارة يرى بهما الدنيا؛ فإن كانت النظارة مشوهة رأى العالم من حوله مشوهاً، وإن كانت رائقة رأى العالم كما هو عليه دون تشوهٍ أو مغالاة.
وهنا أود الإشارة إلى مقالٍ سابق بعنوان "خليفة الله"، أشرتُ فيه إلى النموذج المعرفي الذي يضع الإنسان بين ثلاث دوائر هي: أفكاره، ومشاعره، ثم سلوكه. ولكن، هل مشاعرنا تؤثر في أفكارنا؟ أم أن أفكارنا هي التي تؤثر في مشاعرنا؟ والحقيقة أن كليهما مرتبط بالآخر.
فقد يتعرض الإنسان لموقف يشعر فيه بالإحباط أو الغضب الشديد، فتشتعل في رأسه أفكار سلبية وانهزامية تحدد سلوكه وتؤثر فيه. وقد تطرأ في رأس الإنسان فكرة تجعله يشعر بالضيق والضجر، وبالتالي تؤثر في سلوكه وتصرفاته. وهناك من يقول إن الأفكار والمشاعر يظهران كوهجٍ مشتعل دفعة واحدة ولا أحد منهما يسبق الآخر.
وأياً ما كان الأمر، فالمهم أنهما معاً يؤثران في سلوك الإنسان، وأن هذا السلوك هو الظاهر أمامنا، ويؤثر فيمن حولنا وقد يسبب ضرراً لهم؛ أما الأفكار والمشاعر فلا نراهما، بل هما حبيستان داخل الإنسان.
وخلاصة القول، يرى أصحاب التيار المعرفي أن أفكارنا هي سبب مشاكلنا؛ فالمشاعر لا يمكن إلغاؤها ولكن يمكن تصريفها بشكل لا يضر، أما الأفكار فيجب ضبطها حتى يستوي السلوك ويستقيم. وعلينا أن ندحض أفكارنا اللامنطقية بأخرى منطقية، وأن نذكر أنفسنا دوماً بمخاطر أفكارنا المشوهة.



0 تعليقات