د عيد النوقي يكتب المقال السادس من سلسلة نهضة الأمة مدير مكتب الصومال

 

المقال السادس من سلسلة نهضة الأمة

السنن الإلهية في النهوض ،والسقوط قوانين التاريخ كما ترسمها سورة الكهف





بقلم الدكتور  م.عيد كامل حافظ النوقي


مقدمة :


ليست نهضةُ الأمم، ولا سقوطُها نتاجَ الصدفة، بل ثمرةُ سننٍ إلهيةٍ ثابتة تجري على الأفراد ،والمجتمعات، لا تحابي أحدًا ولا تجامل أمة. وقد جاءت سورة الكهف لتكون خارطةَ وعيٍ تاريخي، تُعلِّمنا كيف تُبنى الحضارات وكيف تتهدّم، وكيف تُستردّ القوة حين تُفهم القوانين وتُحترم السنن. إنها سورةُ الابتلاء والتمكين، وسورةُ الوعي بالزمن، والتاريخ.


أولًا: سنة الإيمان والثبات أصلُ كل نهوض


القصة: أصحاب الكهف:


القاعدة: الإيمان الصادق يصنع النجاة ويؤسس للنهوض.


﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13]


حين يشتدّ الطغيان، يكون الثبات على العقيدة هو بذرة النهضة الأولى. لم يملك الفتية سلاحًا ولا سلطانًا، لكنهم ملكوا الصدق مع الله، فحفظهم الله وخلّد ذكرهم.


سنة واضحة: لا قيام لأمةٍ فقدت يقينها، ولا سقوط لأمةٍ ثبتت على مبدئها.


يقول ابن كثير: في الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الثبات عليه سبب الحفظ والتمكين.


ثانيًا: سنة الصراع بين الحق والباطل:


القصة: أصحاب الكهف والملك الجائر


القاعدة: الصراع سنّة ماضية، والعاقبة للمتقين.


﴿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: 21]


لم يُنهِ الباطلُ الحقَّ يومًا، بل قد يُؤخِّر ظهوره. الصراع ممتد، لكن نهايته معلومة النتائج.


قانون التاريخ: قد ينتصر الباطل جولة، لكنه لا ينتصر المعركة.


قال سيد قطب: الحق قد يُحاصر، لكنه لا يموت، لأن له سندًا من السنن الإلهية.


ثالثًا: سنة الاغترار بالمال سبب السقوط


القصة: صاحب الجنتين


القاعدة: المال إذا انفصل عن الشكر والإيمان كان معول هدم.


﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35]


حين يتحول المال من وسيلة عمران إلى وثن غرور، تبدأ نهاية الحضارات.


قانون حضاري: الثراء بلا قيم يُسرّع السقوط.


قال الغزالي: المال خادم صالح، فإذا صار مخدومًا أفسد القلوب والأمم.


رابعًا: سنة الأخذ بالأسباب مع التوكل:


القصة: موسى والخضر


القاعدة: العلم الجزئي لا يُحاكم الحكمة الكلية.


﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [الكهف: 76]


النهوض لا يتم بعلمٍ سطحي ولا بعاطفة مجردة، بل بفهمٍ عميقٍ للسنن. ما بدا شرًا كان خيرًا، وما بدا هدمًا كان بناءً.


قانون التمكين: من لم يفهم سنن الله تعجّل بالحكم فأخطأ المسار.


يقول ابن عاشور: في القصة تربية للعقول على الصبر على ما خفيت حكمته.


خامسًا: سنة العدل أساس التمكين:


القصة: ذو القرنين


القاعدة: العدل يصنع الحضارة، والظلم يهدمها.


﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف: 87]


ذو القرنين لم يُمكَّن بالقوة وحدها، بل بالعدل، ونصرة المستضعفين، وبناء السدود لا القصور.


قانون تاريخي صارم: لا بقاء لملكٍ ظالم، ولو امتلك أسباب القوة كلها.


قال الزمخشري: العدل هو السياج الحقيقي للملك.


سادسًا: سنة التداول بين الأمم:


القاعدة: الأيام دول، والتمكين مشروط.


﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]


سورة الكهف تؤكد أن التمكين ليس أبديًا، وأن السقوط ليس نهائيًا، وإنما مرهون بالالتزام بالسنن.


دروس نهضوية للأمة اليوم:


الإيمان والهوية أساس أي مشروع نهوض.


العدل والقيادة الراشدة شرط الاستمرار.


العلم الواعي لا العلم المجتزأ.


القيم قبل الثروات.


فهم السنن قبل استعجال النتائج.


خاتمة 


سورة الكهف ليست قصة تُقرأ، بل منهج يُعاش. ومن فهم سننها أدرك أن نهضة الأمة ليست حلمًا مستحيلًا، بل وعدٌ مشروط:


إيمانٌ صادق، وعدلٌ شامل، وعلمٌ بصير، وصبرٌ طويل… حينها فقط تتغير المعادلات.


﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾


اللهم فرج كرب أهلنا في غزة والسودان يارب العالمين.






إرسال تعليق

0 تعليقات