هوية العشق الضائعة بين توسل المتنبي و الحب الإلهي و غرام ابي فراس

 

هوية العشق الضائعة بين توسل  المتنبي و الحب الإلهي و غرام أبي فراس





بقلم إيمان عوض  🇪🇬


فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب


وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب


كلمات تفيض وجدا و عشقا غنتها الفنانه السورية فايا يونان في أغسطس 2019 ضمن ألبوم حكايا القلب بلمسات صوفيةو بمزج ساحر بين ألحان آري جان سرحان وتوزيع ريان الهبر محققة نجاحا رقميا وجماهيريا منقطع النظير


و مع كل نغمة رددها صوتها الساحر يبرز السؤال الأزلي من هو الكاتب الحقيقي لهذه الأبيات التي هزت الوجدان و المشاعر في قلب من يسمعها و في الحقيقة أن الاجابه على هذا السؤال ليست قاطعه فذلك النص الشعري البديع لم يتفق الرواة على صاحبه


 فهناك من ينسبه إلى رابعة العدوية عابدة البصرة ومؤسسة مذهب العشق الإلهي فعندما ذاقت مرارة اليتم والرق فكان شقاؤها الوقود الذي أشعل في قلبها حبا لا يبتغي سوى وجه الله معتبرة أن الحب الخالص هو غاية الوجود وهذه الاغنيه تحمل بين طياتها لمسه ذلك العشق المنزه


 وثمة من ينسب الأبيات إلى الحسين بن منصور الحلاج واتخاذها طريق الحلاج في التعبير عن حالة الفناء في الذات الإلهية حيث لا يبقي المحب في قلبه مكانا لغير المحبوب


وهناك فريق آخر يتجه إلى أن تلك الابيات نظمت في بلاط سيف الدولة الحمداني على لسان أبي الطيب المتنبي إذ لم تكن القصيدة مجازا صوفيا بل كانت واقعا قدمه المتنبي من دمه وأعصابه وهو يخوض المعارك دفاعا عن حلب لينال إرضا الأمير و عفوه


وهذا الرأي حظى بتأييد كبير تأسيسا على أن لغة الأبيات تحمل بصمات المتنبي في المبالغة كالتضاد بين رضا الممدوح و غضب الأنام وهي لغة تشبه قوله للأمير سابقا تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى إلى قول قوم أنت بالغيب عالم


ولكن لم يقف الأمر عند المتنبي فمما يزيد الحيرة أن الأبيات تظهر أيضا في معظم طبعات ديوان الشاعر الأسير أبي فراس الحمداني وهو ما نسبت إليه الأغنية مؤخرا


في الحقيقه لغز تلك الاغنيه يزيدها بريقاو سحرا و مجرد أن كلماتها الخلابه تحيا و تغنى وتسمع في عصرنا الحالي شاهدا على أن النص تفوق على القائل


فسواء كان الكاتب هو المتنبي أو رابعة أو الحلاج فإن النص قد تحرر من قيود صاحبه وسياقه الزمني ليصبح ملكا لكل قلب ذاق طعم الصدق لتتجدد الابيات  مع الزمن في خلودها الروحي في انتصار للجمال الشعري على دقة التوثيق التاريخي


فبين صرخة المتنبي الجريح وصوفية الحلاج ومناجاة رابعة العابدة و بهاء ابي فراس تظل الأبيات عالقه متدليه من فرع أخصر يثمر مع كل زمان بين طموح الأرض وأشواق السماء  ويسري صدى صوتها عشقا يتردد طالبا أن ينال الود ليروي ظمأ العاشق الولهان قائلا


إذا نلت منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب


فيا ليت شربي من ودادك صافيا وشربي من ماء الفرات سراب

إرسال تعليق

0 تعليقات