المقال الأول من سلسلة نهضة الأمة من إصلاح النفوس إلى صناعة الحضارة
بقلم:الباحث البروفيسور .م.الدكتور عيد كامل حافظ النوقي
مقدمة:
لم تُبنَ الحضارات العظيمة بالحجر وحده، ولم تُصنع النهضات الحقيقية بالخطط المجردة، وإنما بدأت جميعها من نقطة واحدة: إصلاح النفوس. فحين يُصلَح الإنسان من داخله، يستقيم فكره، ويتوازن سلوكه، وتُولد الحضارة على يديه تلقائيًا. إن أزمة الأمة اليوم ليست أزمة أدوات، بل أزمة بوصلة، فقد اختل الاتجاه حين انفصل البناء المادي عن البناء القيمي.
أولًا: إصلاح النفس أصل كل إصلاح:
جعل الإسلام تزكية النفس أساس الفلاح والتمكين، فقال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾
لأن النفس إن لم تُهذَّب، تحوّل العلم إلى غرور، والقوة إلى بطش، والسلطة إلى استبداد. أما النفس المصلحة فهي التي تضبط السلوك، وتوجّه القرار، وتحمل الأمانة في كل موقع.
ثانيًا: انهيار القيم مقدمة لانهيار الحضارة:
كل حضارة سقطت في التاريخ سبق سقوطها انحرافٌ أخلاقي، وتآكل قيمي، وتطبيع مع الظلم والفساد. فالحضارة لا تنهار فجأة، بل تتآكل من الداخل، حين يغيب العدل، وتُهمَّش الأمانة، ويُكافأ الفاسد ويُقصى الصالح.
وقد أدرك هذه الحقيقة كبار المفكرين، فقرروا أن بقاء المجتمعات مرهون بسلامة منظومتها القيمية قبل قوتها العسكرية أو الاقتصادية.
ثالثًا: الإنسان هو صانع الحضارة:
الحضارة ليست مباني شاهقة ولا تقنيات متقدمة فحسب، بل هي إنسان يحمل رسالة:
يفكر بوعي
يعمل بإتقان
يلتزم بقيم
ويتحمل مسؤولية
ولهذا ركز الوحي على بناء الإنسان قبل العمران، لأن العمران بلا إنسان صالح يتحول إلى خراب منظم.
رابعًا: من تزكية الفرد إلى نهضة الأمة:
حين تنتقل القيم من حيز الوعظ إلى واقع الممارسة:
في الأسرة تربيةً
في التعليم وعيًا
في العمل أمانةً
في الإعلام رسالةً
في الحكم عدلًا
عندها تتحول القيم الفردية إلى قوة جماعية، وتبدأ الأمة بالخروج من دائرة التراجع إلى أفق النهضة.
خامسًا: طريق الحضارة يبدأ بخطوة صادقة:
نهضة الأمة لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى:
صدق مع النفس
مراجعة للمسار
إعادة الاعتبار للقيم
وقدوة عملية قبل الخطب والشعارات
فالحضارة لا تُستورد جاهزة، وإنما تُبنى حين تتغير النفوس وتصحح الوجهة.
خاتمة:
إن الطريق من إصلاح النفوس إلى صناعة الحضارة طريق واضح المعالم، لكنه يحتاج إرادة صادقة وشجاعة أخلاقية. فإذا صلح الإنسان، استقامت الحضارة، وإذا فسد الداخل مهما تجمّل الخارج، كان السقوط مسألة وقت.
فالحضارة تبدأ من القلب… ثم تمتد إلى الواقع.
اللهم فرج كرب أهلنا في غزة والسودان يارب العالمين .




.jpg)
0 تعليقات