من فنزويلا إلى طهران خريطة اشتعال العالم الجديد

 

من فنزويلا إلى طهران  خريطة اشتعال العالم الجديد




كتب  ماجد شحاتة  🇪🇬


لم يعد ما يجري على الساحة الدولية مجرد أزمات منفصلة أو توترات عابرة، بل بات مشهدًا متشابكًا يوحي بأن العالم يقترب من لحظة إعادة تشكيل كبرى، تتقاطع فيها خطوط الصراع بين الولايات المتحدة والصين، وتنعكس ارتداداتها على الشرق الأوسط، في ظل تصاعد غير مسبوق في المؤشرات العسكرية والسياسية.


أولًا: فنزويلا ، العقدة المنسية في الصراع الأمريكي–الصيني .


لطالما اعتبرت واشنطن أميركا اللاتينية مجالها الحيوي وحديقتها الخلفية، غير أن فنزويلا تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى ثغرة استراتيجية في هذا التصور، بعد أن نجحت الصين في ترسيخ نفوذ اقتصادي عميق داخل الدولة الغنية بالموارد.


فنزويلا ليست مجرد دولة نفطية، بل تُعد من أهم موردي الخام للصين، إلى جانب امتلاكها احتياطيات ضخمة من النحاس والمعادن الأرضية النادرة، وعلى رأسها الليثيوم والكادميوم، وهي معادن تدخل في صلب الصناعات التكنولوجية المتقدمة، من البطاريات الكهربائية إلى أنظمة التسليح والذكاء الاصطناعي.


من هذا المنطلق، تنظر واشنطن إلى النفوذ الصيني في فنزويلا باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي، ومحاولة لتطويق الولايات المتحدة داخل مجالها الجغرافي التقليدي، في لحظة يشهد فيها العالم سباقًا محمومًا على الموارد الاستراتيجية.


ثانيًا: الضربة غير المباشرة ، كيف تفكر واشنطن؟


في الحسابات الأمريكية، لا تقتصر مواجهة الصين على بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان، بل تشمل ضرب سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها بكين، خصوصًا في الطاقة والمعادن النادرة.


وعليه، فإن أي تحرك أمريكي لتقليص الدور الصيني في فنزويلا، سواء عبر العقوبات أو الضغط السياسي أو أدوات النفوذ غير المباشر، يُقرأ في بكين باعتباره هجومًا استراتيجيًا يتجاوز البعد الاقتصادي إلى تهديد طويل الأمد لمكانة الصين كقوة عظمى صاعدة.


ثالثًا: تايوان ، ورقة الرد الصيني المحتمل


في المقابل، تمتلك الصين ورقة بالغة الحساسية: تايوان.


وتشير تحليلات مراكز أبحاث غربية وآسيوية إلى أن تصعيد الضغوط الأمريكية على الصين في مناطق بعيدة جغرافيًا، مثل أميركا اللاتينية، قد يدفع بكين إلى تسريع خياراتها العسكرية تجاه الجزيرة.


فالقيادة الصينية تعتبر تايوان مسألة سيادة لا تقبل المساومة، وقد ترى في أي صدام استراتيجي شامل مع واشنطن فرصة لـفرض أمر واقع يعيد الجزيرة إلى السيطرة الصينية، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع انشغال أمريكي على أكثر من جبهة.


رابعًا: الشرق الأوسط ، المسرح الجاهز للاشتعال


في هذا السياق الدولي المحتقن، تأتي التسريبات المتداولة في الإعلام العبري لتضيف طبقة جديدة من التعقيد. إذ تتحدث تقارير غير خاضعة للرقابة العسكرية عن تحركات أمريكية غير مسبوقة، شملت إخلاء قواعد عسكرية في الشرق الأوسط، وهي خطوة لا تُقدم عليها واشنطن إلا عند توقع مواجهة واسعة النطاق.


هذه التحركات توحي بأن الولايات المتحدة تسعى إلى تحييد قواتها من أي ردود انتقامية محتملة، في حال اندلاع مواجهة كبرى في المنطقة.


خامسًا: إسرائيل وإيران ، تفويض مفتوح ومخاطر محسوبة.


الأخطر في المشهد هو ما يُتداول عن منح ضوء أخضر أمريكي كامل لإسرائيل لتنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، مع ترك قرار التوقيت وطبيعة الضربة بيد تل أبيب.


إن صحّت هذه التسريبات، فهذا يعني أن واشنطن اختارت استراتيجية إدارة الصراع من الخلف:


تقليل الوجود العسكري المباشر


ترك إسرائيل في واجهة المواجهة


الاستعداد لاحتواء التداعيات دون الانخراط المباشر في الضربة الأولى ،


وتشير هذه المقاربة إلى قناعة أمريكية بأن أي ضربة لإيران ستقابل برد إقليمي واسع، قد يستهدف القواعد والمصالح الأمريكية، وهو ما يفسر السحب الاستباقي للقوات.


سادسًا: السيناريوهات المحتملةأمام هذا المشهد، تبرز عدة سيناريوهات:


ـ تصعيد محدود: ضربة إسرائيلية محسوبة، ورد إيراني غير شامل، مع احتواء دولي.


ـ توسّع إقليمي: دخول أطراف إقليمية على خط المواجهة، وتهديد الملاحة والطاقة.


ـ تشابك الجبهات: تزامن تصعيد الشرق الأوسط مع تحركات صينية في تايوان، ما يفتح الباب أمام أخطر لحظة دولية منذ نهاية الحرب الباردة.


 - خلاصة المشهد 


من فنزويلا الغنية بالموارد، إلى تايوان المتنازع عليها، وصولًا إلى إيران الواقفة على حافة المواجهة، يبدو العالم أمام طبخة جيوسياسية ثقيلة تجاوزت مرحلة الإعداد ودخلت مرحلة الغليان.


إنها لحظة تتراجع فيها الخطوط الحمراء، وتتقدم فيها حسابات القوة على حساب الدبلوماسية، ما يجعل أي شرارة—مهما بدت صغيرة—قادرة على إشعال أكثر من جبهة في آن واحد.

إرسال تعليق

0 تعليقات